سيد محمد طنطاوي
298
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الأول ، هم جالوت وجنوده . ونستند في اختيارنا لهذا الرأي إلى أمور من أهمها ما يلي : . 1 - ذكر القرآن الكريم في سورة البقرة ، عند عرضه لقصة القتال الذي دار بين طالوت قائد بني إسرائيل ، وبين « جالوت » قائد أعدائهم ، ما يدل على أن بني إسرائيل كانوا قبل ذلك مقهورين مهزومين من أعدائهم . ويتجلى هذا المعنى في قوله - تعالى - : أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ، إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّه ، قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا قالُوا وما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّه وقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وأَبْنائِنا . . . فقولهم - كما حكى القرآن عنهم - وما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّه وقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وأَبْنائِنا . . يدل دلالة قوية ، على أنهم كانوا قبل قتالهم لجالوت مهزومين هزيمة اضطرتهم إلى الخروج عن ديارهم ، وإلى مفارقة أبنائهم . 2 - قوله - تعالى - : * ( ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ) * صريح في أن اللَّه - تعالى - نصر بني إسرائيل - بعد أن تابوا وأنابوا - على أعدائهم . وهذا المعنى ينطبق على ما قصه القرآن علينا ، من أن بني إسرائيل بقيادة طالوت قد انتصروا على جالوت وجنوده . . قال - تعالى - : ولَمَّا بَرَزُوا « 1 » لِجالُوتَ وجُنُودِه ، قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً ، وثَبِّتْ أَقْدامَنا ، وانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ . فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّه ، وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ ، وآتاه اللَّه الْمُلْكَ والْحِكْمَةَ ، وعَلَّمَه مِمَّا يَشاءُ . . . ولقد كان هذا النصر نعمة كبرى لبنى إسرائيل ، فقد جاءهم بعد أن أخرجوا من ديارهم وأبنائهم ، وبعد أن اعترضوا على اختيار طالوت ملكا عليهم ، وبعد أن قاتل مع طالوت عدد قليل منهم . ولا شك أن النصر في هذه الحالة ، أدعى لطاعة اللَّه - تعالى - وشكره على آلائه . 3 - قوله - تعالى - : * ( وأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ) * أكثر ما يكون انطباقا على عهد حكم طالوت ، وداود ، وسليمان لهم . ففي هذا العهد الذي دام زهاء ثمانين سنة ، ازدهرت مملكتهم ، وعز سلطانهم وأمدهم اللَّه خلاله بالأموال الوفيرة ، وبالبنين الكثيرة ، وجعلهم أكثر من أعدائهم عددا وقوة .
--> ( 1 ) أي بنو إسرائيل .